محمود بن حمزة الكرماني
128
البرهان في متشابه القرآن
وقيل : كرره تكذيبا لمن زعم أن ذلك لم يكن بمشيئة اللّه تعالى . * قوله تعالى : وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ « 1 » في هذه السورة بزيادة ( من ) موافقة لما بعدها : لأن بعدها « 2 » ثلاث آيات متواليات فيها ( من ) على التوالي وهو قوله وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ ثلاث مرات . * قوله تعالى : فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ « 3 » : يغفر مقدم في هذه السورة وفي غيرها « 4 » ، إلا في المائدة فإنها : يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ « 5 » ؛ لأنها
--> ( 1 ) سورة البقرة إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ الآية : 271 . ( 2 ) الصواب : لأن بعدها آيتين متتاليتين تكرر فيهما قوله : وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ ثلاث مرات ، فتكررت [ من ] ثلاث مرات . والآيتان من سورة البقرة هما : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ . لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ الآيتان : 272 ، 273 . ( 3 ) سورة البقرة لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الآية : 284 . وليس في القرآن العظيم فَيَغْفِرُ إلا في هذه الآية الكريمة . ( 4 ) تقدم فعل [ يغفر ] على [ يعذب ] حيثما ورد في القرآن الكريم إلا في آية سورة المائدة : 40 . والمواضع التي تقدم فيها على [ يعذب ] هي : في سورة آل عمران وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ الآية : 129 ، وفي سورة المائدة وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ الآية : 18 . وفي سورة الفتح وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً الآية : 14 ومطلع آيتي آل عمران والفتح وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ على التوالي ، أما في سورة المائدة فأخر قوله : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وقدم : يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ عليه ؛ لأن مقالة اليهود والنصارى تقتضى الرد عليهم ثم المجيء بالتسبيب بعده . ( 5 ) سورة المائدة وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الآيات : 38 - 40 .